ابن عربي

84

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

لثواب الآخرة سببا ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ، وإنها لسريعة الذهاب ، وشبكة الانقلاب . فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها ، ولا تسعوا في غمرات دار قد قضى اللّه خرابها ، ولا تواصلوها وقد أراد اللّه منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ، ولعقوبته مستحقين » . ولما أتى علي رضي اللّه عنه العراق دخل المدائن ، فنظر إلى إيوان كسرى معتبرا ، فجعل يبكي ، فقام إليه بعض الحاضرين فقال : يا أمير المؤمنين ، أتحب أن أسمعك قول الأسود بن يعفر ؟ فقال : إن شئت ، وعليّ يتلو قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ، قال : وأي آية ؟ ما أعظمها ، ثم قال : يا هذا ، ما قال الأسود ؟ فقال : ما ذا يؤمل بعد آل محرّق * تركوا منازلهم وبعد إياد أرض الخورنق والسدير وبارق * والقصر ذو الشرفات من سنداد نزلوا بأنفرة تسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد أرض تخيّرها لطيب نسيمها * كعب بن مامة وابن أم دواد جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد فقال علي رضي اللّه عنه : يا هذا ، أبلغ من ذلك قول اللّه تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ . سمعت محمد بن أبي محمد الكتاني ينشد يوما أبياتا فأثّر بي سماعها ، وهي : لو جرى دمعك يا هذا دما * ما تقدمت إلينا قدما إنما يصفو هوانا لامرئ * حفظ العهد وراعى الذمما كيف يخفى لك أمر بعد ما * نشر العذر عليه علما عندنا منك أمور كلها * حيرة فيما لدينا وعما وأرى داءك داء معضلا * أبدا تزداد فيه سقما كم حميناك فلم تبق لنا * وتعدّيت ووافيت الحمى نح علينا أسفا أو لا تنح * واقرع السنّ علينا ندما لو أردناك لنا ما فتنا * أو وصلنا حبلنا ما انصرما ما رأينا منصفا عامله * منصف في صفقة فاختصما أنت لو سالمتنا نلت المنى * قلّ من سالم إلا سلما كان ثوبة صاحب ليلى الأخيلية قد قال :